سبع ثوانٍ تفصلك عن التغيير
نتصوّر أننا نتخذ قراراتنا في لحظة وعيٍ صافٍ: أرى الأمر، أفكّر فيه، ثم أقرّر. لكنّ الحقيقة أعمق من ذلك قليلًا؛ فالقرار يُصاغ قبل أن نراه، ويصل إلى وعينا بعد أن يكون قد اتُّخذ بالفعل. وبين اللحظة التي يُتخذ فيها القرار واللحظة التي ننفّذه، توجد مساحة صغيرة لا تتجاوز ثوانٍ معدودة — هي المساحة الوحيدة التي يمكن أن يتغيّر فيها مسار القرار، وهي موضوع هذا المقال.
من يتخذ القرار فعلًا؟
لفهم هذه الثواني، لا بد أن نفهم أوّلًا كيف يُبنى القرار. في منهجية بصائر، يُتصوّر العقل على مثال معرضٍ أنيق هو العقل الواعي، يليه مستودع ضخم هو العقل اللاواعي، وبينهما موظّف استقبال نتّفق على تسميته «آدم»، وهو الجزء التحليلي الذي يفحص ما يصل إليه ثم يستدعي أو يسجّل.
عندما تمرّ معلومة بالحواس، يستقبلها العقل الواعي، ثم يرسلها إلى «آدم» ليفحصها: أهي مسجّلة من قبل في المستودع أم جديدة؟ فإن كانت مسجّلة، استدعى الشعور المرتبط بها وقدّمها ردَّ فعل جاهزًا. وإن كانت جديدة، سجّلها لتكون أساس شعور في المستقبل.
المفارقة أن نسبة استخدام العقل الواعي لا تتجاوز واحدًا إلى خمسة بالمئة من حياتنا، بسرعة تقارب أربعين بتٍّ في الثانية، بينما يقود العقل اللاواعي ما يقارب تسعة وتسعين بالمئة، بسرعة تبلغ نحو أربعين مليون بتٍّ في الثانية. ولأن سرعة انتقال المعلومة في هذه العملية أعلى من سرعة الضوء، فإن القرارات الأساسية التي نتّخذها يوميًّا تصدر عن اللاواعي، ونحن نظنّ أننا نحن من اختارها في وعينا.
رقمٌ جاء من معهد ماكس بلانك
لم يكن هذا التصوّر تأمّلًا نظريًّا فقط، بل قابله قياس. ففي معهد ماكس بلانك، أُجريت تجربة وُضعت فيها أدمغة المشاركين تحت أشعة مغناطيسية، وطُلب منهم الضغط على زرٍّ بيدٍ يختارونها. فكُشف أن القرار يُتخذ في العقل قبل تنفيذه بحوالي من خمسة الى تسع ثوانٍ.
والرقم كبير إذا ما قيسنا بسرعة الإدراك والتنفيذ. وهذه الثواني تمثّل فرصة ذهبية لتغيير أي قرار قبل تنفيذه، حتى إن المنهجية تقول صراحة إنّ عمل التغيير السلوكي كلّه قائم عليها. فلو استطاع الإنسان أن يعي قراره المخزَّن في اللاواعي خلال هذه الثواني، أمكنه أن يغيّره.
ما الذي يحدث داخل هذه الثواني؟
قد نتخيّل هذه الثواني فراغًا، وهي في الحقيقة لحظة صراعٍ قائمة. ففيها يكون «آدم» قد استدعى من المستودع الملفَّ القديم، وصار الشعور والسلوك المترتب عليه جاهزين للتنفيذ، بينما لا يزال الوعي يملك صوتًا يمكن أن يُقال.
ثمّة نقطة دقيقة تفسّر ثقل هذه اللحظة: العقل اللاواعي لا يفرّق بين الماضي والحاضر، ولا بين المكان والزمان، ولا بين الواقع والخيال. فما يقف أمامك في تلك الثواني ليس الموقف الحاضر وحده، بل خريطة شعورية قديمة مخزّنة منذ الطفولة، أُعيد تشغيلها لأنها شابهت الموقف. فموظفٌ يخاف أن لا يُجدَّد عقده بعد سنتين، يعيش خوفه الآن كأن الماضي والحاضر والمستقبل شيء واحد. ومن هنا، فإنّ ما تختاره في الثواني السبع ليس بين فعلٍ وآخر بقدر ما هو بين أن تكرّر الملف القديم أو أن تفتح ملفًّا جديدًا.
الانتباه: ثمنُ امتلاك هذه الثواني
لا يمكن اقتناص قرارٍ لا تشعر بأنه صدر. ولهذا فإن المفتاح هو الانتباه: أن يكون الإنسان حاضرًا «هنا والآن»، لا في ذاكرة الماضي ولا في سيناريوهات المستقبل. فمن يملك السيطرة على لاواعيه يملك نفسه، والمرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى امتلاك لاواعيه تُسمّى «الانتباه»، أي أن يكون حاضرًا هنا والآن.
فاللحظة الحاضرة ليست تفصيلًا تأمليًّا، بل هي المعمل الوحيد الذي يمكن فيه تغيير الوعي بصدق. ومن يعيش في الماضي أو المستقبل يفوته التغيير قبل أن يبدأ، لأن القرار يكون قد مرّ بينما هو غائب.
لماذا لا يمتلك هذه الثواني إلا الإنسان الواعي؟
لهذه الثواني وجهٌ آخر يكشف قيمتها؛ فهي أساس المسؤولية. فالنصّ يذكّر بأنّ الحادث الذي يُقدِم فيه إنسان على جريمةٍ بعد تجربة حبٍّ ورَفض، كثيرون يلتمسون له العذر بحجّة أنه مريضٌ نفسيًّا، وهم يغفلون أنه كان يملك سبع ثوانٍ يستطيع خلالها أن يكبح القرار. أما من فَقَد وعيه فلا يملك هذه الثواني أساسًا. فالإنسان العاقل، وإن كان مبرمجًا، فقد وُهِبَ مساحةً زمنيةً يختار فيها. وهذه المساحة هي ما يجعل تغيير الحياة ممكنًا: لو لم توجد، لكان كلّ ما نحن عليه قَدَرًا مغلقًا لا خيار فيه.
كيف نستعمل الثواني السبع؟
إن أردنا أن نقتنص هذه اللحظة فعليًّا، فالكاتب يقترح علينا مدخلًا محدّدًا:
أولًا، قبول الشعور تمامًا. الشعور يأتي ليحمل رسالة، فإذا قاومناه أو تجاهلناه، أشبهناه بزائرٍ يدقّ الباب سنةً كاملة دون أن نفتح له، فلا نعرف ما أراد. والخطوة الأولى أن نجلس مع أنفسنا ونصارحها بما نشعر، ونستشعره حتى يملأ الجسد دون مقاومة ولا رفض ولا تجاهل.
ثانيًا، الانتباه المباشر للشعور السلبي فور حدوثه. فبمجرد الشعور بالحزن أو الغضب، يُرفَع الانتباه إليه ويُعتَرف به دون مقاومة؛ وهذا الانتظام في الانتباه هو ما يجعل الشعور يتلاشى تدريجيًّا ويخفّ تأثيره.
ثالثًا، استخدام المنطق مرّة واحدة فقط. فالمنطق يصلح لتوضيح الموقف مرّة، أما تكرار الحوار المنطقي فيُرهق ولا يجدي؛ لأن «العقل اللاواعي» يستجيب للانتباه اكثر من التكرار.
رابعًا، بناء الثقة مع اللاواعي. تمامًا كما يُسلّم صاحب الشركة ابنه إدارة العمل بعد أن يطمئنّ لقدرته؛ فالثقة تُكتسب بالدليل لا بالادّعاء، وتُبنى بمراقبة التفاصيل الصغيرة والصدق مع الذات.
وينبغي ألّا نتوّقع أن هذه الثواني تُقتنص من المحاولة الأولى. فالمساحة ضيّقة، والوعي بطيئ بطبيعته مقارنةً باللاواعي، وهي مهارة تُبنى بالتدريب لا بالفهم وحده. ولا نَعِد بأنّ الفهم يغيّر السلوك تلقائيًّا؛ فكما تُعلّمنا المنهجية نفسها، إن لم تُستخدم المعرفة عمليًّا فقد تتحوّل إلى مقاومةٍ داخلية أشدّ من الجهل بها.
لماذا تفوتنا هذه الثواني غالبًا؟
معظمنا يفقدها لأنه لا يكون حاضرًا فيها أصلًا؛ إذ يعيش في اجترار الماضي أو القلق من المستقبل، فيصل إلى اللحظة بعد أن يكون القرار قد نُفّذ، ثم يقول: «لم أستطع». ويُضاف إلى ذلك فخّ «لا أدري»، وهو حيلة يقدّمها اللاواعي ليهرب من العمل على الشعور: «أنا حزين ولا أدري لماذا». ومهما قاله هذا الفخ، فإنّ كل شعور لا بد أن تكون له نتيجة؛ فالذي أتانا في هذا الوقت إنما أتى لرسالةٍ تحمل نتيجة.
خلاصة
الثواني السبع ليست رقمًا علميًّا يُدهشنا ويمضي، بل هي المساحة العملية التي يبدأ منها التغيير؛ لحظةٌ يلتقي فيها قرار قديم مخزّنٌ ووعيٌ حاضر يمكنه أن يكتب قرارًا آخر. ولأنّ اللاواعي هو من يقود الجولة عادةً، فإنّ من يقتنص هذه الثواني هو من يعرف وجهة شعوره في وقتها، لا بعد أن يتصرّف. والتغيير لا يبدأ من الحدث الكبير، بل من هذه المساحة الصغيرة التي تسبق السلوك مباشرة.
إذا رغبت في استكشاف تجربتك ضمن منهجية بصائر، يمكنك التعرّف إلى الجلسات الاستشارية.
هذا المحتوى تعليمي وتأملي، ويعرض تصوّر بصائر لفهم المشاعر؛ ولا يُعد تشخيصًا أو علاجًا طبيًا أو نفسيًا. عند وجود معاناة شديدة أو أعراض مؤثرة في الحياة اليومية، يُنصح بمراجعة مختص مؤهل.