الْكُرْهُ: مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ؟ وَإِلَى أَيْنَ يَصِلُ؟

هُنَاكَ شُعُورٌ لَا نُحِبُّ الِاعْتِرَافَ بِهِ، فَنُسَمِّيهِ بِأَسْمَاءٍ أَلْطَفَ: «أَنَا مُتَضَايِقٌ مِنْهُ»، «لَا أُطِيقُهُ»، «أُفَضِّلُ أَنْ أَبْتَعِدَ». لَكِنَّ مَا نَحْمِلُهُ أَحْيَانًا أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ ضِيقٍ؛ إِنَّهُ الْكُرْهُ. وَفِي مَنْهَجِيَّةِ «بَصَائِرَ» لَا يُقْرَأُ الْكُرْهُ كَصِفَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ يُلَامُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، بَلْ كَشُعُورٍ لَهُ جُذُورٌ وَمَنْطِقٌ وَحِمَايَةٌ يَبْحَثُ عَنْهَا الْعَقْلُ اللَّاوَاعِي — وَلَهُ ثَمَنٌ يَدْفَعُهُ مَنْ يَحْمِلُهُ، وَلَوْ لَمْ يَدْريِ.

مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ الْكُرْهُ؟

لَا يَبْدَأُ الْكُرْهُ مِنْ مَوْقِفٍ وَاحِدٍ مُفَاجِئٍ، بَلْ غَالِبًا مِنْ طَبَقَاتٍ تَتَرَاكَمُ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ. فَأَوَّلُ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ الكاتب أَنَّ مَشَاعِرَ الْأُمِّ أَثْنَاءَ الْحَمْلِ تَنْقُلُ إِلَى الْجَنِينِ مَشَاعِرَهَا؛ فَحِينَ تَكُونُ الْأُمُّ غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي هَذَا الْحَمْلِ لِأَيِّ سَبَبٍ، أَوْ غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي جِنْسِ الطِّفْلِ، فَإِنَّ الْخَزَّانَاتِ الَّتِي كَانَ الطَّبِيعِيَّ أَنْ تُمْلَأَ بِالْحُبِّ تُسْتَبْدَلُ بِمَشَاعِرِ كُرْهٍ وَهُوَ لَا يَزَالُ جَنِينًا فِي الرَّحِمِ. فَالطِّفْلُ فِي الْأَصْلِ مَحْبُوبٌ، وَخَزَائِنُهُ يُفْتَرَضُ أَنْ تَمْتَلِئَ بِالْحُبِّ؛ لَكِنْ حِينَ تَتَبَدَّلُ هَذِهِ الْخَزَّانَاتُ، تَبْدَأُ الْبَذْرَةُ الْأُولَى لِلْكُرْهِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ صَاحِبُهَا. وَهُنَاكَ جِذْرٌ ثَانٍ لَا يَقِلُّ خُطُورَةً: فَقْدُ الِاهْتِمَامِ. فَمَنْ يُعَانُونَ فَقْدَ الِاهْتِمَامِ يَكُونُ عِنْدَهُمْ غَضَبٌ، وَيَظْهَرُ الْكُرْهُ لَدَيْهِمْ فِي هَيْئَةِ غَضَبٍ. وَرُبَّمَا يَجْتَمِعُ الْغَضَبُ مَعَ الْمِثَالِيَّةِ فَيَبْدُو الشَّخْصُ خَلُوقًا طَيِّبًا رَحِيمًا، ثُمَّ «يتحول» فِي مَوَاقِفَ بِعَيْنِهَا — وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِهِ فِي الْبَيْتِ لَا أَمَامَ عُمُومِ النَّاسِ. وَقَدْ فَصَّلْنَا هَذَا الْجِذْرَ فِي مَقَالٍ مُسْتَقِلٍّ بِعُنْوَان لماذا لا يعرف طفلك كيف يعبّر عن حبه؟.

لِمَاذَا يَظْهَرُ الْكُرْهُ فِي صُورَةِ غَضَبٍ؟

لِنَنْظُرْ إِلَى مَشْهَدٍ يَتَكَرَّرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُيُوتِ: تُنْجِبُ الْأُمُّ طِفْلًا جَدِيدًا، فَيَدْخُلُ الطِّفْلُ الْأَوَّلُ لِيَجِدَهَا تَحْتَضِنُهُ وَتُرْضِعُهُ وَتَغْمُرُهُ بِحَنَانِهَا. فِي مُسْتَوَى الظَّاهِرِ لَا شَيْءَ يَحْدُثُ، لَكِنَّ الطِّفْلَ قَدْ يَقْرَأُ الْمَوْقِفَ بِلُغَةٍ أُخْرَى: «لَوْ كُنْتُ كَافِيًا، لِمَا احْتَاجَتْ أُمِّي أَنْ تُنْجِبَ غَيْرِي؟». يَضْرِبُ هَذَا السُّؤَالُ الذَّاتَ مُبَاشَرَةً، فَيَدْخُلُ الطِّفْلُ فِي مُنَافَسَةٍ مَعَ الْمَوْلُودِ الْجَدِيدِ، وَيَنْشَأُ لَدَيْهِ كُرْهٌ تِجَاهَ أَخِيهِ وَأُمِّهِ، وَأَحْيَانًا تِجَاهَ ذَاتِهِ — وَرُبَّمَا تِجَاهَ الثَّلَاثَةِ مَعًا بِحَسَبِ الْمَوْقِفِ.

وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ الْمُنَافَسَةَ فِي الطُّفُولَةِ لَيْسَتْ شَيْئًا إِيجَابِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَدَائِمًا نَجِدُ الْمُنَافَسَةَ مَرْبُوطَةً بِالْكُرْهِ. وَقَدْ ضَرَبَ الكاتب مَثَلًا بَسِيطًا لِذَلِكَ: تَجْرِبَةَ كُؤُوسِ الْرْزِ، حَيْثُ مُدِحَتِ الْكَأْسُ الْأُولَى فَأَيْنَعَتْ وَأَزْهَرَتْ وَرَائِحَتُهَا صَارَتْ جَمِيلَةً، وَشُتِمَتِ الثَّانِيَةُ فَاسْوَدَّتْ، بَيْنَمَا تُرِكَتِ الثَّالِثَةُ مِنْ دُونِ اهْتِمَامٍ فَأَصَابَهَا الْعَفَنُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا لَيْسَ مَذْهَبًا تَرْبَوِيًّا، بَلْ تَصَوُّرٌ لِلْمَنْهَجِيَّةِ عَنْ أَثَرِ الْمَشَاعِرِ: فَمَشَاعِرُ الْكُرْهِ تَجْعَلُ الشَّخْصَ يَسْوَدُّ مِنَ الدَّاخِلِ، وَفَقْدُ الِاهْتِمَامِ يَجْعَلُهُ يَتَعَفَّنُ.

الظُّلْمُ: أَكْثَرُ مَا يُنْشِئُ الْكُرْهَ

لَمْ يَتَوَقَّفِ الكاتب عِنْدَ الْمُنَافَسَةِ وَحْدَهَا، بَلْ أَشَارَ إِلَى شُعُورٍ أَخْطَرَ: الظُّلْمِ. فَتَارَةً لَا نُدْخِلُ الطِّفْلَ فِي مُنَافَسَةٍ فَقَطْ، بَلْ نَظْلِمُهُ فِي حَقِّهِ حِينَ يَنْجَحُ فِيهَا.

وَلْنَأْخُذِ الْمِثَالَ الَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ: طِفْلٌ عُمْرُهُ سَنَةٌ رَسَمَ شَخْبَطَةً تُشْبِهُ الْأَرْنَبَ، فَاحْتَفَى بِهِ الْبَيْتُ كُلُّهُ وَفَرِحَ بِالرَّسْمَةِ. فَجَاءَ الطِّفْلُ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ فِي مُنَافَسَةٍ مَعَهُ، وَرَسَمَ أَرْنَبًا أَكْثَرَ إِتْقَانًا ثُمَّ عَرَضَهَا، فَقَابَلَهَا الْأَهْلُ بِبُرُودٍ: «لَمْ يَأْتِ بِجَدِيدٍ، هُوَ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا مِنْ قَبْلُ». هُنَا دَخَلَ الطِّفْلُ الْمُنَافَسَةَ، وَقَبِلَهَا، وَنَجَحَ فِيهَا بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ أَفْضَلَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنَلِ الِاهْتِمَامَ الَّذِي رَآهُ مُوَجَّهًا لِأَخِيهِ الْأَصْغَرِ. هَذَا هُوَ شُعُورُ الظُّلْمِ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْمَشَاعِرِ الَّتِي تُنْشِئُ الْكُرْهَ. وَيُلَاحِظُ الكاتب نُقْطَةً دَقِيقَةً: حَتَّى لَوْ وَعَى الْأَهْلُ وَأَعْطَوُا الطِّفْلَ الْأَكْبَرَ نَفْسَ رَدَّةِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ سَيَظَلُّ يَشْعُرُ بِالظُّلْمِ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَدَّمَ شَيْئًا أَفْضَلَ وَكَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَكُونَ مُمَيَّزًا لَا مُجَرَّدَ شَبِيهٍ بِأَخِيهِ.

وَيَتَكَرَّرُ النَّمَطُ نَفْسُهُ فِي مَوَاقِفَ أَصْغَرَ: يَضْرِبُنِي ابْنُ عَمِّي، فَأَذْهَبُ لِأَشْكُوَ لِوَالِدِي، فَيَأطلب مني أَنْ أَعُودَ لِلَّعِبِ مَعَهُ مِنْ دُونِ شكوى فَيَتَرَاكَمُ الْإِحْسَاسُ بِأَنَّ الْحَقَّ يُنْتَزَعُ مِنِّي. وَيُشِيرُ النَّصُّ إِلَى أَنَّ مَنْ تَتَمَادَى لَدَيْهِ مَشَاعِرُ الظُّلْمِ قَدْ يَحْمِلُ مُسْتَقْبَلًا تَصَوُّرًا مُؤْلِمًا عَنِ الْعَدْلِ نَفْسِهِ، وَمَعَهُ كَمِّيَّةٌ كُبْرَى مِنَ الْكُرْهِ.

الْكُرْهُ يَجْعَلُ وُجُودَ الْآخَرِ مُسْتَفِزًّا

ثَمَّةَ مُلَاحَظَةٌ عَمَلِيَّةٌ تَصِفُ حَالَ مَنْ يَحْمِلُ الْكُرْهَ: وُجُودُ الشَّخْصِ الْمَكْرُوهِ يُصْبِحُ مُسْتَفِزًّا. وُجُودُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وُجُودُهُ فِي الْبَيْتِ، مُجَرَّدُ حُضُورِهِ يَجْعَلُنَا مُتَوَتِّرِينَ. وَالسُّؤَالُ الْأَعْمَقُ الَّذِي يَطْرَحُهُ الكاتب مَاذَا لَوْ كَانَ هَذَا الشَّخْصُ الْمَكْرُوهُ هُوَ أَنَا؟ فَمَنْ يَكْرَهُ ذَاتَهُ يَعِيشُ اسْتِفْزَازًا دَائِمًا، وَيَعِيشُ بِالشُّعُورِ السَّلْبِيِّ طَوَالَ الْوَقْتِ مِنْ دُونِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَمْيِيزِهِ أَوْ فَهْمِهِ؛ فَيَكُونُ هَارِبًا مِنَ الْحُضُورِ فِي اللَّحْظَةِ. وَمِنْ هُنَا يَقْتَرِبُ هَذَا الْمَوْضُوعُ مِنْ فَرْطِ الْحَرَكَةِ وَتَشَتُّتِ الِانْتِبَاهِ، لِأَنَّ الْحُضُورَ مُوَاجَهَةٌ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ مُوَاجَهَةَ ذَاتِهِ — وَسَنُفْرِدُ لِهَذَا الموضوع مَقَالًا مُسْتَقِلًّا.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الِاسْتِفْزَازِ أَثَرٌ آخَرُ: أَنَّ الْكَارِهَ لَا يَرَى مِيزَاتِ مَنْ يَكْرَهُ. فَإِذَا انْفَصَلْتَ عَنْ شَخْصٍ ثُمَّ بَلَغَتْ مَشَاعِرُ الْكُرْهِ، لَا تَعُودُ تَرَى أَيَّ إِيجَابِيَّاتٍ لَهُ؛ فلو قام بعمل الكثر من الاعمال الايجابية وَوَاحِدًا سَلْبِيًّا، فَتُرَكِّزُ عَلَى السَّلْبِيِّ وَتُكَبِّرُهُ وَتَجْعَلُهُ حَدَثَ السَّاعَةِ. وَلَاحِظِ الْفَرْقَ: فب هَذَا النَّمَطُ — أَنْ لَا نَرَى الْخَيْرَ فِي الشَّيْءِ — سِمَةٌ يُشِيرُ إِلَيْهَا الكاتب لِأَصْحَابِ الِانْفِصَالِ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ التَّفْرِيقَ وَالتَّحْلِيلَ، وَهُوَ نَقِيضُ التَّعَلُّقِ، الَّذِي لَا يَرَى السُّوءَ فِي الشَّخْصِ الَّذِي يُؤْذِيهِ.

اللَّوْمُ وَجَلْدُ النَّفْسِ: وَجْهُ الْكُرْهِ نَحْوَ الذَّاتِ

قَدْ يَتَوَجَّهُ الْكُرْهُ إِلَى الدَّاخِلِ أَيْضًا. وَيُعْتَبَرُ اللَّوْمُ وَجَلْدُ النَّفْسِ مُؤَشِّرًا وَاضِحًا عَلَى كُرْهِ الذَّاتِ؛ فَمَنْ يَلُومُ نَفْسَهُ وَيَجْلِدُهَا طَوَالَ الْوَقْتِ، يَحْمِلُ مَشَاعِرَ كُرْهٍ مُوَجَّهَةً نَحْوَ ذَاتِهِ، وَهَذَا يَقُودُهُ إِلَى عَدَمِ قَبُولِ نَفْسِهِ. وَيُلَاحِظُ الكاتب أَنَّ عُمْقَ كُرْهِ الذَّاتِ قَدْ يَرْتَبِطُ — فِي تَصَوُّرِهِ الْمَنْهَجِيِّ التَّأَمُّلِيِّ — بِمُشْكِلَاتٍ جَسَدِيَّةٍ ذَاتِ صِلَةٍ بِالْمَنَاعَةِ؛ وَهَذَا وَصْفٌ لِفِكْرَةٍ تَرْبِطُ الشُّعُورَ بِالْجَسَدِ، وَلَيْسَ تَشْخِيصًا طِبِّيًّا وَلَا سَبَبًا مُثْبَتًا لِأَيِّ مَرَضٍ، فَلَا يُقْرَأُ إِلَّا بِوَصْفِهِ إِطَارًا لِفَهْمِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَا نَحْمِلُهُ وَمَا يَعْكِسُهُ الْجَسَدُ.

حِينَ يُصْبِحُ الْكُرْهُ دِرْعًا

مَعَ الْوَقْتِ، قَدْ يَتَحَوَّلُ الْكُرْهُ مِنْ شُعُورٍ إِلَى مَوْقِفٍ مِنَ الْعَالَمِ. فَيَبْدَأُ صَاحِبُهُ بِالِاعْتِقَادِ بِأَنَّ الْحُبَّ ضَعْفٌ، وَبِمَا أَنَّ الضَّعْفَ مَرْفُوضٌ لَدَيْهِ، يُصْبِحُ الْكُرْهُ فِي نَظَرِهِ قُوَّةً. هُوَ لَا يُحِبُّ، وَيَخَافُ أَنْ يُحِبَّ لِئَلَّا يَضْعُفَ، فَيَتَمَسَّكُ بِالْكُرْهِ رَغْمَ إِدْرَاكِهِ أَنَّهُ سَلْبِيٌّ، لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُهُ دِرْعًا يَحْمِيهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الضَّعْفِ الَّذِي يَظُنُّهُ مُرَادِفًا لِلْحُبِّ. وَيَقْرَأُ الْأَحْدَاثَ دَائِمًا مِنْ زَاوِيَتِهَا السَّلْبِيَّةِ، فَمَهْمَا قَدَّمْتَ لَهُ يَبْقَى بِلَا مُشْكِلَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ، لَكِنَّهُ يُحَلِّلُ كُلَّ فِعْلٍ لِيَعْرِفَ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ مِنْ سَلْبِيَّاتٍ.

مِنَ التَّعَصُّبِ إِلَى الْعِنَادِ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ

يَبْدَأُ الْكُرْهُ بِمَرْحَلَةِ التَّعَصُّبِ، حَيْثُ يَتَعَصَّبُ الْإِنْسَانُ لِدِينِهِ، أَوْ لِمَذْهَبِهِ، أَوْ لِفَرِيقِهِ، أَوْ لِدَوْلَتِهِ، أَوْ لِمَدِينَتِهِ. وَهَذِهِ التَّعَصُّبَاتُ الْكَثِيرَةُ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَهِيَ مُؤَشِّرٌ عَلَى وُجُودِ كُرْهٍ فِي النَّفْسِ. وَفِي الْحَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَدْخُلُ فِي الْعِنَادِ، إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ الْعِنَادُ مَعَ النَّفْسِ، فَلَا يَعُودُ يَرَى الصَّوَابَ وَلَا يَهُمُّهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الصَّحِّ وَالْخَطَأِ، بَلْ يَفْعَلُ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ. وَهَذَا نَقِيضُ الْمُرُونَةِ، وَيَضَعُ صَاحِبَهُ فِي أُولَى مَرَاحِلِ صُعُوبَةِ حَلِّ مَشَاكِلِهِ النَّفْسِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُصْبِحُ عَنِيدًا حَتَّى فِي التَّعَافِي مِنْ مُعَانَاتِهِ.

أَمَّا الِاسْتِكْبَارُ، فَهُوَ أَعْلَى مَرَاحِلِ الْكُرْهِ: أَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ الْحَقَّ وَيَعْرِفَ أَنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ يَقُولَ عَنْهُ إِنَّهُ بَاطِلٌ. وَالْعِنَادُ مُجَرَّدُ عِنَادٍ، بَيْنَمَا الِاسْتِكْبَارُ إِنْكَارٌ لِلْحَقِّ رَغْمَ وُضُوحِهِ بِكُلِّ الطُّرُقِ. وَلِهَذَا الْمِثَالُ الَّذِي يُوَضِّحُ الْفُرُوقَ: رَجُلَانِ رَأَيَا شَيْئًا أَسْوَدَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ بَعِيدٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «يَبْدُو أَنَّهُ غُرَابٌ»، فَأَجَابَهُ الْآخَرُ: «لَا، إِنَّهُ حِمَارٌ». أَوْضَحَ لَهُ الْأَوَّلُ، لَكِنَّهُ أَصَرَّ، حَتَّى طَارَ الشَّيْءُ الْأَسْوَدُ، فَسَأَلَهُ: «هَلْ تَأَكَّدْتَ الْآنَ أَنَّهُ غُرَابٌ؟»، فَأَجَابَ: «بَلْ هُوَ حِمَارٌ وَلَوْ طَارَ!». وَمَنْ يَبْلُغْ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ يَدْخُلْ حَالَةً سَوْدَاوِيَّةً هِيَ قَفْلُ الْقَلْبِ، فَلَا تَكُونُ لَدَيْهِ نِيَّةٌ لِتَغْيِيرِ أَيِّ شَيْءٍ فِيهِ مَهْمَا وَضَحَتِ الْبَرَاهِينُ. قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)

رَبْطُ الْقِيمَةِ بِالتَّمَيُّزِ وَالْأَحْكَامِ

مِنْ جُذُورِ الْكُرْهِ أَنَّ الْمُنَافَسَةَ تَرْبِطُ الْقِيمَةَ بِالتَّمَيُّزِ. فَيَصِيرُ الْإِنْسَانُ مُحْتَاجًا أَنْ يُثْبِتَ دَائِمًا أَنَّهُ يَفْهَمُ أَكْثَرَ، وَيَعْلَمُ أَكْثَرَ، وَأَطْيَبُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ عِنْدَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِالتَّمَيُّزِ، وَقِلَّةُ التَّمَيُّزِ تَعْنِي عِنْدَهُ قِلَّةً فِي الْقِيمَةِ. فَيُحَارِبُ لِيَتَمَيَّزَ، وَحِينَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّمَيُّزُ بِسَبَبِ الظُّرُوفِ، قَدْ يَتَّجِهُ إِلَيْهِ بِطَرِيقٍ خَاطِئٍ، كَأَنْ يُؤْذِيَ الْمُنَافِسِينَ — وَقَدْ يَصِلُ الْأَمْرُ عِنْدَ بَعْضِ الْأَطْفَالِ، حِينَ لَمْ يُحَقِّقُوا التَّمَيُّزَ أَوْ شَعَرُوا بِالظُّلْمِ، إِلَى حُدُودٍ مَأْسَاوِيَّةٍ.

وَيُوَلِّدُ هَذَا كُلُّهُ عَادَةً إِصْدَارَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَنْ حَوْلَنَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ دَاخِلِيَّةً بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَنْفُسِنَا. وَهُنَا قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ: أَيُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ، يُبَرْمِجُ عَقْلِيَ اللَّاوَاعِيَ أَنَّهُ سَيُحْكَمُ عَلَيَّ بِهِ. فَمَنْ يَرَى رِدَاءً لَا يَلِيقُ بِمَكَانِ الْعَمَلِ وَيَسْتَنْكِرُهُ دَاخِلِيًّا، يُبَرْمِجُ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَكَانٍ كَهَذَا بِذَلِكَ الرِّدَاءِ. وَهَكَذَا تُغْلِقُ عَلَيْنَا الْأَحْكَامُ أَبْوَابًا فِي حَيَاتِنَا، وَيَصْعُبُ مَعَهَا التَّقَدُّمُ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُلَاحَظُ أَنَّ مَنْ يُصْدِرُ الْأَحْكَامَ عَلَى غَيْرِهِ هُوَ الْأَكْثَرُ عُرْضَةً لِلرُّهَابِ الِاجْتِمَاعِيِّ — وَسَنُفْرِدُ لَهُ مَقَالًا مُسْتَقِلًّا.

الْكُرْهُ يَقْتُلُ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ

حِينَ يَتَمَكَّنُ الْكُرْهُ، تَنْقَلِبُ الْعَلَاقَةُ كَامِلَةً. فَمَنْ يَحْمِلُ الْكُرْهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حُبِّ النَّاسِ؛ وَحَتَّى لَوِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُحِبُّ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُحِبُّ، بَلْ يَعِيشُ حَالَةَ تَعَلُّقٍ، لِأَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي قَامُوسِهِ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ نَفْسَهُ، وَلَا النَّاسَ، وَلَا أَوْلَادَهُ. فَيَصِيرُ حُبُّهُ مَشْرُوطًا قَائِمًا عَلَى الشَّرَاكَاتِ: أَعْطِنِي حُبًّا أُعْطِكَ حُبًّا، أَعْطِنِي شُعُورًا أُعْطِكَ شُعُورًا.

وَيظهر هَذَا فِي النَّتِيجَةِ: عِنْدَمَا يَتَقَدَّمُ الْكُرْهُ وَيَتَوَجَّهُ إِلَى كُلِّ النَّاسِ وَتُصْبِحُ مَشَاعِرُ الْكُرْهِ هِيَ الْغَالِبَةَ، يَصُبُّ صَاحِبُهُ أَوْلَوِيَّتَهُ الْمُطْلَقَةَ فِي مَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، فَلَا يُقْدِمُ عَلَى أَيِّ فِعْلٍ إِيجَابِيٍّ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ. وَيُشَبِّهُ الكاتب هَذِهِ الْحَالَةَ بِنَمُوذَجٍ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنِ الْمَكْسَبِ دُونَ اكْتِرَاثٍ بِأَثَرِهِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ؛ وَيَضْرِبُ مَثَلًا بِمَنْ يَفْتَعِلُونَ الْحُرُوبَ مِنْ دُونِ أَنْ يُشَارِكُوا فِيهَا لِتَسْيِيرِ تِجَارَتِهِمْ، فَلَا تَهُمُّهُمْ أَرْوَاحُ الْأَبْرِيَاءِ. وَعَلَى الْمَنْطِقِ نَفْسِهِ مَنْ يُتَاجِرُ بِمَا يَضُرُّ النَّاسَ مِنْ أَجْلِ مَصْلَحَتِهِ — فَكُلُّ مَنْ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أَدْنَى مُشْكِلَةٍ فِي إِيذَاءِ الْآخَرِينَ لِمَصْلَحَتِهِ، يَحْمِلُ مُسْتَوًى مُرْتَفِعًا جِدًّا مِنَ الْكُرْهِ.

الَى أَيْنَ يَتَوَجَّهُ الْكُرْهُ؟ وَحَسَبَ أَيِّ مُسْتَوًى؟

يَتَوَجَّهُ الْكُرْهُ بِحَسَبِ الْمُسْتَوَى الَّذِي يَعِيشُهُ صَاحِبُهُ. فَعِنْدَمَا يَكُونُ فِي مُسْتَوَى انْكِسَارِ الْكِبْرِ، يَتَّجِهُ الْكُرْهُ نَحْوَ الْمُجْتَمَعِ وَالنَّاسِ وَالظُّرُوفِ، وَقَدْ يَمْتَدُّ إِلَى الْكُرْهِ تِجَاهَ الْإِلَهِ. أَمَّا عِنْدَمَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَرْحَلَةِ الْعَارِ، فَإِنَّ الْكَمِّيَّةَ نَفْسَهَا مِنَ الْكُرْهِ تَبْدَأُ بِالتَّحَوُّلِ لِتَتَوَجَّهَ نَحْوَ الذَّاتِ. وَالْمُهِمُّ أَنَّ هَذِهِ الْخَرِيطَةَ تُفَسِّرُ لِمَاذَا قَدْ يَبْدُو الشَّخْصُ مُتَقَلِّبًا فِي اتِّجَاهِ كُرْهِهِ؛ فَالْكَمِّيَّةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ، بَلْ تَغَيَّرَتْ وِجْهَتُهَا مَعَ تَغَيُّرِ مَوْقِعِهِ.

اخْتِبَارٌ بَسِيطٌ: كَمْ أَحْمِلُ مِنَ الْكُرْهِ؟

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ نِسْبَةَ مَا يَحْمِلُهُ مِنَ الْكُرْهِ، فَهُنَاكَ سُؤَالٌ وَاحِدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُطْرَحَ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ شُعُورِيَّةً لَا مَنْطِقِيَّةً؛ لِأَنَّ الْمَنْطِقَ سَيَقُولُ: «أَنَا أُسَامِحُ الْجَمِيعَ وَأُحِبُّ الْجَمِيعَ»، بَيْنَمَا قَدْ يَسُبُّ الشَّخْصَ نَفْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ بَعْدَ لَحَظَاتٍ. فَاتْرُكِ الْمَنْطِقَ، وَانْتَبِهْ إِلَى الشُّعُورِ.

وَالسُّؤَالُ هُوَ: مَاذَا يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أُسَامِحَ كُلَّ النَّاسِ سَمَاحًا مُطْلَقًا وَبِلَا شُرُوطٍ؟

وَانْتَبِهْ إِلَى شَرْطٍ مُهِمٍّ: الْمُسَامَحَةُ بِطَبِيعَتِهَا تَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنِ الْمُطَالَبَةِ؛ فَهِيَ شَامِلَةٌ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ، وَلِذَا مَنْ يُسَامِحْ مُسَامَحَةً مُطْلَقَةً لَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَهَا أَنْ يُطَالِبَ بِحَقٍّ تِجَاهَ مَنْ سَامَحَهُ. فَإِذَا شَعَرْتَ مِنْ دَاخِلِكَ أَنْ لَا مَانِعَ لَدَيْكَ مِنْ مُسَامَحَةِ الْجَمِيعِ، شُعُورًا صَادِقًا لَا تَفْكِيرًا مَنْطِقِيًّا، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّكَ لَا تَحْمِلُ كُرْهًا. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ: «لَا، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسَامِحَهُمْ»، وَكَانَتْ لَدَيْكَ لِذَلِكَ أَسْبَابٌ، فَتِلْكَ الْأَسْبَابُ هِيَ مِقْيَاسُ نِسْبَةِ الْكُرْهِ لَدَيْكَ؛ وَبِحَسَبِ عُمْقِهَا وَتَعْقِيدِهَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مَدَى مَا تَرَاكَمَ بِدَاخِلِكَ.

الخُلَاصَةٌ

الْكُرْهُ لَيْسَ شَرًّا يُولَدُ مَعَنَا؛ إِنَّهُ شُعُورٌ لَهُ جُذُورٌ — مِنْ مَشَاعِرِ الْحَمْلِ إِلَى فَقْدِ الِاهْتِمَامِ إِلَى الظُّلْمِ وَالْمُنَافَسَةِ — وَلَهُ أَيْضًا مَسَارٌ يَتَصَاعَدُ مِنَ التَّعَصُّبِ إِلَى الْعِنَادِ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ. وَقِرَاءَتُهُ فِي مَنْهَجِيَّةِ «بَصَائِرَ» لَا تَعْنِي تَبْرِيرَهُ، بَلْ فَهْمَهُ: أَنْ نَرَى أَيْنَ يَتَحَوَّلُ الشُّعُورُ إِلَى دِرْعٍ، وَأَيْنَ يَنْقَلِبُ نَحْوَ الذَّاتِ، وَأَيْنَ يُغْلِقُ الْقَلْبَ. وَالْفَهْمُ وَحْدَهُ لَيْسَ وَعْدًا بِالتَّحَوُّلِ؛ لَكِنَّهُ أَوَّلُ خَطْوَةٍ فِي طَرِيقِ أَنْ نَخْتَارَ مَا نَحْمِلُهُ بَدَلَ أَنْ يَحْمِلَنَا.

إذا رغبت في استكشاف تجربتك ضمن منهجية بصائر، يمكنك التعرّف إلى الجلسات الاستشارية.

هذا المحتوى بحثي وتأملي، ويعرض تصوّر بصائر لفهم المشاعر؛ ولا يُعد تشخيصًا أو علاجًا طبيًا أو نفسيًا. عند وجود معاناة شديدة أو أعراض مؤثرة في الحياة اليومية، يُنصح بمراجعة مختص مؤهل.